الصفحة الرئيسية  ثقافة

ثقافة ما التعري؟ بين الطبيعة والجسد والأدب... بقلم الأستاذ عبد الرزاق بن علي

نشر في  17 جويلية 2020  (21:07)

بقلم الأستاذ : عبد الرزاق بن علي

1-تعريف الْعُرْي : الْعُرْي حَسَب قَامُوسٌ الْمَعَانِي هُوَ اسْمٌ "للريح الْبَارِدَة " و " لَيْلَة عُرَيَّة " لِذَا كَان لِزَامًا أَن نبحث عَن الْعَلَاقَةِ بَيْنَ هَذَا الِاسْمِ -وَمَا يَحْمِلُهُ مِنْ مَعْنَى-وَفعل " عَرِي أَو يعري" و "عريان" أَي تَجَرَّدَ مِنْ ثِيَابِهِ وَتَخلص مِنْهَا حَسَب نَفْس الْمُعْجَم .

وَالْعُرْي (باللغة الإنْجلِيزِيَّة Nudity ) هُوَ عَدَمُ ارْتِدَاء أَي مُلَابِسٌ ، وَأَحْيَانًا لِلْإِشَارَةِ إلَى ارْتِدَاء ملابس أَقَلّ بِكَثِيرٍ مِمَّا يُتَوَقَّعُ مِنْ قِبَلِ ثَقَافَةٌ مُعَيَّنَة وَخَاصَّةً فِي فَضَح الْإِجْزَاء الحميمية مِنْ الْجِسْمِ . خُصُوصًا الْإِجْزَاء الحساسة مِثْل الأعْضَاءِ التَّنَاسُلِيَّةِ لَدَى الْجِنْسَيْن والاثداء عِنْد الإناث (موقع ويكيبيديا ) .

2 -نشأة الْمَفْهُوم: يَعُود بِنَا الْبَحْثُ فِي النَّسَق التاريخي لِهَذَا الْمَفْهُومِ إلَى النَّشْأَةِ الْأُولَى لِلْإِنْسَان وَذَلِكَ لِمَا نعتقده مِنْ أَهَمِّيَّةِ فِي الْعَوْدَة قَصَدَ الْوُصُول إلَى تَفْسِيرِ دَوَاعِي التَّطَرُّق لَهَكَذَا مَبْحَث . فَفِي اعْتِقَادِنا، لَهُ مِنْ الْمَعَانِي مَا يَتَجَاوَزُ اللُّغَوِيّ مِنْه وتأسيس لِلْبُعْد الْفَلْسَفِيّ لِلْكَلِمَة .

وَهُو مُحَاوَلَة لتطبيق مَنْهَج الْفَيْلَسُوف " جِيل دولوز " الْقَائِمِ عَلَى تَحْدِيدِ الْمَفَاهِيم وَرَسْم تجلياتها. بالعودة إلَى الْوَرَاءِ نُلَاحِظ التزامن الْغَرِيب لِمَفْهُوم التَّعَرِّي مَعَ أَوَّلِ عُقُوبَة لِلْجِنْس الْبَشَرِيّ . إلَّا أَنْ السَّائِد عِنْدَنَا أَنَّ أَوَّلَ عُقُوبَة لِلْإِنْسَان هِي نُزُولِهِ إلَى الْعَالِمِ السُّفْلِيّ أَثَر الْخَطِيئَة الْأُولَى . لِذَلِكَ وَجَبَ التَّدْقِيق بِالْقَوْل أن أَوَّلُ مَا عُوقِبَ بِهِ أَبوا الْبَشَرِيَّة هُوَ أَنْ جُردا مِن ثيابهما مما جَعَلَهُمَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرِقٍ الشَّجَرَةِ كَي يواريا سوءاتهما.

إذَا تَأَمَّلْنَا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وما تبعها لوَجدنا أَنَّ نَزْعَ الثِّيَابَ عَنْ الْجِنْسَيْن أَو ماكان يَسْتُر جسديهما هُوَ ربما أَقْسَى مَا يُمْكِنُ أَنْ يُسَلَّطَ عَلَى الْمَرْءِ مِنْ عُقُوبَةِ . أَنْ يَنْزِعَ مِنْ عَلَى جِسْمِه الغطاء فَيَنْكَشِف . ربما يقودنا هَذَا الِاسْتِنْتَاج إلَيَّ أَنْ انْكِشَافَ كُلّ ماهُو مُسْتَتِرٌ هُو فَضَح وافتضاح . هُو تَعْرِيَة مَا لَا يَجِبُ أَنْ يَعْرَى . َ

أ يقصد من ذلك أَنَّ الطبيعة تَأْبَى التَّعَرِّي ؟ وهل هناك جَدْوَى مِنْ التَّعَرِّي ؟ وَهَل دَائِمًا مايكون التَّعَرِّي سِمَة سَلْبِيَّة تَدُلُّ عَلَى البربرية وَالتَّوَحُّش ؟ وَمَتَى يَكُونُ التَّعَرِّي مَحْمُودًا وَمَطْلُوبًا ؟ وَأَيّ نَوْعٍ هُوَ ذلك ؟ وأي تعر نريد؟

3 -تجليات التَّعَرِّي: كَان لِزَامًا عَلَيْنَا الْغَوْص أكثر فِي الْمَفْهُومِ علنا نُدْرِك أبْعَادُه و ونستجلي حُدُودِه وَأَرْكَانُه . فِي الْبِدَايَةِ لاَبُدّ لِلْإِشَارَة أَنَّ كَلِمَةَ التَّعَرِّي أَو التَّعْرِيَة مفهوم جغرافي لَه عَلاقَةٌ مُبَاشَرَة بِمَا يَحْدُثُ فِى الطَّبِيعَةُ مِنْ تغيرات .

فالتعرية الطَّبِيعِيَّة بما هي تحول من الحالة الخصبة والأرض المعطاء الي تلك الجرداء القاحلة، تصَنَّف مِنَ الكَوَارِثِ الطَّبِيعِيَّة الْوَاجِب مُقَاوَمَتِهَا لِمَا لَهَا مِنْ تَأْثِيرَاتٌ مناخية عَلَى الْكَوْكَب وَلَما لَهَا مِنْ أضْرَارِ عَلَى أَدِيمِ الْأَرْضِ . فَهِيَ سَبَبٌ مِنْ أَسْبَابِ فِقْدَان الْأَرْض لخصوبتها بانجراف عَنَاصِرِهَا الطَّبِيعَة الحيوية . فَتُصْبِح تِلْكَ الْأَرْضِ قَاحِلَةً لاَ حَيَاةَ فيها ولا إنتاج ينتظر منها ، فَهِي كالمرأة العاقرة الَّتِي لَا نَسْلَ مِنْهَا.

وهنا نجد أنفسنا ربما أمام مفاهيم متعددة لمفهوم واحد فيصبح التعري تعريات بما هو تجاوز للسائد وفضح للعقد الاجتماعية والدينية والسياسية لنتساءل من جديد أفي التعري مصلحة ترجى أم هو شر مطلق ؟

4- التعري عند الأدباء : منذ ان بدأ الإنسان بترجمة همومه وانشغالاته الي أعمال أدبية وفنية اختلفت اجناسها ومحاملها وجد نفسه أمام مطرقة مايصبو إليه من أجل إفراغ ما تحمل رأسه من اهتمامات وبين سندان السلطة العليا المطلقة (سواء دينية ،سياسية، اجتماعية، ....أو قبلية . )

ولأجل تحقيق المعادلة الصعبة، عمد أغلب الكتاب والفنانون الي التخفي وراء أسماء مستعارة وشخصيات من وحي خيالاتهم كاشفين الغطاء في الآن نفسه عن قضاياهم عارية مجردة من كل حجاب يحجبها . حيث كان ذلك جليا خاصة في كتابات السيرة الذاتية، بل هو عماد أساس تقوم عليه السيرة المروية. إذ كثيرا ما يتخفى الروائي تاركا المجال عاريا أمام القراء فتنكشف العقد والأمراض النفسية والطفولة القاسية والنشأة المضطربة.

وهذا مايفسر قول الكاتب "الفردويني " في كتابه ": "مجد الجندية ورقها" : "أن المرء حين يتحدث عن نفسه لن يجد أفضل من الصراحة مصدرا لوحيه " تعددت المؤلفات والأعمال الفنية التي تولى من الاهتمام الكثير للتعري كأسلوب تعبيري يضع الحقائق و"التابوهات " دون غطاء أمام المتلقي تاركة المجال له للخوض في جدوى تقديمها تقديما فاضحا.

وهنا نجد في الكاتب "فييودور دوستوفسكي " مثالا مهما من خلال مؤلفه : "La femme d'un autre et un mari sous le lit " الذي كرس فيه مفهوم التعري متجاوزا بذلك التعرية الجسدية الغرائزية إلي تعرية النفاق المجتمعي آنذاك وتضخم أنا الفرد فيه مبرزا دور الغيرة بما هي فعل بشري محمود به تتوطد العلاقة بين الرجل والمرأة وتحولها الي غيرة مرضية حجبتها عن الظهور النرجسية والحفاظ على الصورة المجتمعية خوفا من افتضاح الأمر. وذلك باختيار الشخصية التخفي دون المواجهة.

 

الا ان ذلك لا ينفي الانقسام الحاصل بين شق مع تعرية الواقع وإبرازه هكذا بكل تجرد وموضوعية معتبرا إياه واقعا موجودا وجب كشفه قصد معالجته ، راغبا من وراء ذلك اعتماد اسلوب الصدمة والدهشة في مؤلفاته. وشق آخر يعارض التعرية رافضا انكشاف الغطاء بأكمله لما فيه حسب اعتقادهم من تجاوز للشفرات وخدش للحياء من جهة واضرار بالمصالح الفردية من جهة اخرى ، وبما هي مجرد حقائق تترجم حالات شاذه وجب سترها عن الأعين خوفا من تطبيعها مع الواقع ويكون لها مفعول النار في الهشيم داخل المجتمع .

5- التعرية في علاقة بالجسد : إن ما نلاحظه اليوم من مظاهر العراء وثقافة التعري (مع الأخذ بالنسبية في كل الأمور ) يجعلنا نعيد النظر في جدواها. لاعتقادنا أنها تحولت من أسلوب طرح ومعالجة للقضايا الحقيقة وتعبير دقيق عن مشاغل الإنسان العليا وهمومه المشتركة بغية التعايش ، الي مجرد سلعة رخيصة الثمن ، الغاية من ورائها الوصول الي تلبية الغرائز والسير وراء جماح الشهوة الجنسية والربح السهل.

وهو ما يفسر صناعة "البورنوغرافيا العالمية " من أفلام ومسلسلات وما تحققه من أرباح خيالية تتجاوز مرابيحها عائدات بعض الصناعات التحويلية والصناعات الثقيلة مجتمعة . وحسب تقرير قام به موقع " 25 list الترفيهي" أن حوالي ثلاثون مليون شخص في الثانية يزورون أحد المواقع الإباحية وهو ما يفسر تجاوز مداخيله باضعاف مضاعفة مداخيل بعض الشركات العملاقة مثل "مايكروسوفت " ، "قوقل" ، "أمازون " وغيرها.

لم تترك في المقابل أغلب التلفزات أيضا الفرصة تمر دون أن تدلي بدلوها ويصبح التعري الجسدي مقياسا محوريا لتحقيق الشهرة والظهور أمام الكاميرا. بل وتصاعدت الأصوات المنادية بأحقية الفرد في التعري دون قيد أو شرط وذلك في إطار الحرية المطلقة التي لا ضوابط تحكمها.

6 -حدود التعري: يقوم الوجود في كليته وإطلاقه على مبدأ الثنائيات والمتناقضات مثل خير وشر، حب وكراهية، وجود وعدم ، وصل و فراق .... لذلك ككل قيمة أو مفهوم لابد من الاعتراف بأن التعري يحمل معادلة الثنائية في كنهه. فهو محمود اذا ما كانت الغاية منه كشف الأمراض الاجتماعية مثلا ومحاولة إيجاد الحلول المناسبة لها. وهو مذموم اذا كانت الغاية منه نشر الرذيلة وهلاك النسل. ليعود الأمر هنا إلى صاحب المشروع ما يرنو الي تحقيقه. إن التطرف الى اي جهة دون أخرى هو في اعتقادي بلوغ درجه عليا من الجهل عكس ما يعتقد من ذلك أنها قمة العلم.